الجمعة، 3 أبريل، 2015

وطن مجازي

وبينما هي تمشي في الطرقات بعبثيتها المعتادة ،
هائمة ،
تحسن من هيئتها وتخرج وتدخل الأشياء في حقيبتها الكبيرة المفتوحة علي مصراعيها ،
تتخبط في الراحلين إلي هنالك والقادمين من هناك دون إرهاق ذاتها بالنظر إلي أعينهم وما تخبئه حتي لا تتوه فوق تيهها الذي قد كان ،
وصلت إلي مكان عملها ،
وما إن كادت تخرج هاتفها المحمول حتي رفعت وجهها لتجده أمامها ،
فارتطم الهاتف بالأرض علي إثر فقدانها القدرة علي التحكم في أعصابها ،
وهمت لتلتقطه فلامست أولي أدمعها الرصيف المحتمل الكثير من الأقدام الحاملة لهمومها وهموم من تهتم لها ،
ثم انهمرت الدموع من عينيها كما لو أنها كانت تخبئها ليوم لقائه لكي ترحب به الترحاب الذي يستحقه أي ظالم ،
كسر الخواطر المهشمة يفوق في ظلمه كسر الظهور الملصمة ،
بكت كما لو أنها لم تبكي من قبل رغم أن عينيها لم تتفك عن البكاء طوال المدة السابقة ،
شهر كامل مر ويتذكر الآن فقط أنه هناك باب روح لايزال مفتوحاً وتنهكه الرياح التي تأتي بما لا تشتهي الأنفس ،
ثم قالت بصوت يكتم البكاء بفشل ذريع وهي تلملم بقاياها : 
لا لا لا لا ،
لا مش عايزة أشوفك ،
مش عايزة أشوفك !
وما إن التفتت حتي أمسك بذراعها وجذبها إليه ،
فتاة علي مشارف المطعم تحدق بيديه المتسلقة إلي جسدها المغطي وتتذكر ذلك الذي تحرش بها سابقاً ،
وأوصل يديه إلي عورتها ،
وصدمتها التي ترجمت إلي صمت تجاوزعن عينيه التي تعريانها مجازياً ،
ويديه التي تعريها حرفياً ،
لم تتخيل أن أول مرة سيصل أحدهم إلي منطقتها المحظورة سيكون رجلاً عابراً يعتبرها عاهرته يفضي فيها شهوة لم يتمكن من كتمانها بداخله ،
طفل علي ظهره حمل المدرسة الثقيلة ،
عيناه تشعان فرحاً من قبضته عليها ،
ويتمني لو أن له تلك القوة ليضرب أخته التي ترتدي ما تريد ولا تبالي بعدم رضا أصدقائه عن مظهرها ،
أما هو ،
ما إن أمسكها ولمسها مجدداً حتي انسابت وذابت يين يديه الاثنتين فكان هيناً عليه أن يجبرعينيها الباكيتين علي لقاء عينيه
: النادمتين قائلاً 
 أنا آسف أنا عارف إني لو قولتهالك سنين مش هتكفي ،
بس اسمعيني ،
أنا آسف مسبقا لو كلامي هيوجعك بس لو سمحت اسمعيني .
صرخت في وجهه : 
وإنت مسمعتش صوت أنيني ليه طول المدة دي ؟
قولتلك واحنا سوا مية مرة أنا اتعودت اعيش لوحدي ،
أما بتوجع بشد علي إيدي أنا ،
ولما بتجرح بحضني حرفياً ،
قولتلك أنا عارفة اكفي نفسي متخلنبيش استغني بيك وفجأة احتاجك ملاقيكش ،
اتنيلت قولتلك بالله عليك متمشيش كام مرة ؟
وعدتني كام مرة يعني انك هتفضل ؟
أعدهملك يعني ؟
! لا وكمان اخترت أكتر وقت أنا تعبانة فيه ومشيت
كان جسدها ينتفض ،
انفعالها الذي تعبر عنه يداها المهتزتان كان عارماً ،
بدت وكان مع صراخها لطمة مكتومة تضرب وجهه ،
لعلها أخفيتها خوفاً من ذنب ما ،
أو تفادياً لجرح لكرامته لن يطيب أبد الدهر ،
وكادت أن تهرب منه من جديد ،
ولكنه تعمد أن يحاوطها ويرسم بيديه أسوار سجن يحضتنها ،
العشق قيد كبير ،
وآسر أبدي للأرواح ،
يديه كانتا مفتوحتين وكأنها كانت تخبرها بشكل غير مباشر ولكنه متعمد " ألا سبيل اليوم للهرب ،
أزفت الآزفة ،
وحان الوقت للمواجهة المؤجلة ،
والحسم الغائب ".  
كانت تري هاتين الذراعين اللتين انهكتا من خبطات المارين يمنة ويساراً ،
ولكنها تأبي أن تستسلم وتسقط كما سقط عشقهم في غيابة الجب ،
كانت حضنه الذي ساعها دوماً ،
ولكنها اليوم أذرع مقص يكاد يفتك بها ،
ويلقي بجسمانها إلي جحيم العودة إلا ما لا يجوز العودة له في عرف العقل ،
ودمائها ستفرش علي الطرقات لترشد العاشقين المساكين إلي طريق الهلاك ،
حاولت مرة آخري الهرب ولكن حضنه كاد يضيق عليها ليلتحفها ،
كانت علي يقين لا يدع مجالاً للشك أنه لو فاض الجدال إلي التصاق جسديهما لعزف مقطوعة حب جميلة فسينتهي الأمر ،
ستكون قد عادت بالفعل ،
لم تغب عنه هو أيضاً هذه الحقيقة ولكنه أراد لها أن تبوح بكل مكنونات صدرها قبل أي شئ ،
ذلك منتهي أمله ،
أن يحررها من الأسئلة العديدة التي تركها معها تؤرق مضجعها وتنهك عقلها الغارق في التفاصيل ،
أن يدع لها المجال للصراخ والسباب إن أرادت ،
فإن أبت العودة فأضعف الإيمان أنها قد تحررت مما نغص أيامها السابقة ،
قدر المستطاع ،
وإن عادت فهنيئاً لهما أن يوصلا ما قد قطع دون التشتت علي أبواب العتاب واللوم ،
ولكن تري الذي قطع قد يوصلا ؟
عايز إيه ؟
إيه المطلوب مني دلوقتي ؟
قلبي واتكسر الحمدلله ،
وأهلي وصحابي كلهم ضحكوا عليا علشان كنت غبية وصدقتك ،
وبقيت لوحدي ومعدتش عارفة هعرف أبقي مع حد تاني أصلاً ولا لا ،
حبيب حتي ولا صاحب ،
مش عارفة أبص في عين ولد غيرك إلا وأنا بحس بتأنيب ضمير ،
مش قادرة أخونك ،
وإنت ؟
إنت مشيت ليه ؟
علشان _بكل بساطة_ مش قادر!
دلوقتي بس صدقت الكلام اللي كنت بقولهولك ،
إننا مصيرنا حضن بعض في الآخر ،
دلوقتي اكتشفت إننا مش هنقدر ؟
إنك مش هتقدر ؟
وإن والله ما هينفع ؟
راجع ليه ؟
قولي بس راجع ليه ؟
ضعفت ذراعاه وهمتا بخذلانه ،
والاقتراب من الأرض ،
لم يستطع تمالك نفسه فلم ينطق ،
نظرت إليه في شفقة مخفاة محرم البوح بها مع قوة مدعاة واجب اظهارها ،
فأسرعت لتمنع مشاعرها من أن تنفضح :
مش هنتخانق قدام الناس يعني ،
أنا ماشية علشان ورايا شغل ،
لما تبقي قادر تتكلم ابقي تعالي ،
آه إنت مقدرتش تيجي تقف عيني في عينك كده علشان حتي تقولي سلام ،
صح صح كنت نسيت ،
سلام يا عمري اللي ضاع هدر .
كان قد يأس وتملكه إحساس جارف أنه سيرحل مهشم ما تبقي من حلمه ،
ولكن مجرد أن قالت "عمري،
علم أن في باطنها ما قد كان وأنه لم يمت بعد ،
وصمم أنه لن يسمح لعمرها بأن يضيع حقاً ،
فدبت في جسده القوة من جديد ،
وما إن كانت تلتفت حتي أمسك بذراعيها مرة آخري ،
الفتاة تنظر إليه نظرات أرادت أن تنظر بها لمنتهك عرض جسدها ،
ولكنه لم يكن حينها ينظر إلي عينيها أصلاً ، 
  : رجل ما هنالك يقترب من الفتاة
تعرفيها يا آنسة ؟
لا بس شكله بيضايقها .
توقعت أن ينصر هذا الرجل الفتاة المنكوبة من ذاك ،
ولكنه هم بالرحيل مردداً : 
لا حول ولا قوة إلا بالله .
شاباً ما في وسيلة مواصلات مارة بجانبهما ينظر إليهما في ولع ،
ويخاطب جسده المحروم لا المرحوم ،
ليتني استطعت لمسها ،
ليت ذلك جائزاً الآن ،
ليتني لست مضطر لانتظار سنوات وسنوات كي نتلامس ،
لمسة خفيفة منها كنسمة عابرة سترويني ،
أما هو ،
فما إن أمسك بها حتي أغمضت عينيها ،
ثم بكت ،
كان يعلم أنها لو بكت سينهار ،
لعله حتي سيبادر بالرحيل _هو_ هذه المرة أيضاً رأفة ببريق مفتقد في عينيها ،
لأنه لن يتحمل أن يؤذيها كل تلك الأذية ،
بينما كانت تقرا عليه يوميها "الرقية الشرعية" ليحفظه الله لها ،
التفتت في رقة وخضوع ،
لا تعلم لماذا لم تقاوم ،
نظرت إليه في رجاء ،
أن يكون هذه المرة حقاً سيكون أكثر حرصاً علي قلبها الزجاجي ،
وجسدها المباح لأقدام الحزن ،
فمد يديه الآخري إلي حقبيته ،
يعافر حتي يخرج منديلاً ،
ثم مسح برقة دموعها ،
وخفف من حدة قبضته علي ذراعها رحمة بضعف واضح للعيان ،
وللقلوب أعين ،
يبصر بها الأحبة ،
لا تعلم لماذا بكت أكثر ،
الاشتياق حد البكاء كان أرجح الأسباب ،
أن تجن وتضطر أن تبقي عاقلاً ،
أن تشتاق وتكتم شوقك في خباياك ،
كانت تتمني لو تخبره هي أن يبقي ،
لكنها علمت أن الأمر أشد قسوة من تلك البساطة ،
نظر إليها في ندم وأفلت ذراعه ولكنه اقترب منها بعض الشئ   وحاول خفت نبرة صوته : 
إنتي طبعا فاكراني معرفتش قيمتك غير لما سيبتك فرجعت ،
أو لما الدنيا لطشت فيا فلأني غريب في كل الأحضان ،
، رجعت لصدرك اللي طول عمره وطني
، أو فاكرة إني كنت بلعب بيكي زي ما قالولك  
أو إني لما لقيت الموضوع جد فخلعت ،
صح ؟
نظرت إليه في انكسار وصمتت ،
فأردف :
عارف إنه صح ،
أكيد حسيت إن روحي مكنتش فيا للدرجة دي وإنتي معايا قد ما حسيتها بعد ما خدتي روحي في ايديكي ،
أنا مكتتش بنام ،
كل يوم كوابيس ،
صوت صريخي بسببها كان بيصحي البيت كله ،
وعارفة إيه الكابوس ؟
إنك بتمشي وتسبيني !
بكت ،
ونزلت أولي دمعاته ،
لم تتحمل ،
فهدأت من روعه : 
متعيطش ،
أمسكت يديه ثم قبلتهما ،
متعيطش علشان خاطري ! 
نظر إليها في تعجب ،
أني لها أن تطمئنه في موقف يحق لها أن تجلده فيه ،
وأضعاف جلده لذاته الذي آخره فوق تأخيره في التماس العودة إلي ما قد كان ،
أو خلق شئ جديد يجمع بقايا الصورة ،
ابتعد فجأة عنها ،
نظرت في ضيق وعدم فهم ،
ثم صرخ :
لا ، لا مش هتكسري خاطرك علشان تطيبي بخاطري ،
أنا جايلك تجلديني ،
تطلعي كل اللي جوا قلبك وبتتهاوني انك تقوليه علشان خايفة عليا ،
لومي والنبي !
المرة دي بس متبقيش جميلة ،
النهاردة بس ،
فكري فيكي وخلاص ،
أنا جاي أريحك أكتر من إني أرجعك ،
ابتسمت ابتسامة حانية ،
وكأنها قد حبست الشمس بين شفتيها ،
فأنارا كونه حينما ضحكت ،
قابل ضحكتها بضحكة ،
ثم قال : 
ضحكتك بالدنيا ،
طيب والله أنا ممكن امشي دلوقتي وهأمشي مبسوط ،
لسه يا روح مش هتغرقيني بأسئلة ،
إنتي ليه قلبك طيب للدرجة دي ؟
أغمضت عينيها وتنهدت علي كلمة "روح،
 ثم قالت بعفوية مطلقة :
أنا هقعد ﻹني فعلاً مش قادرة أصلب طولي ،
جلست فوقف أمامها : 
مش هقعد جنبك علشان أساعدك تشتميني ،
اشتيميني يلا !
ضحكت مجدداً ،
رفعت عيناها اللتان سحرتاه ،
فسحرتاه ،
: وقالت 
أنا بحبك يا حيوان !
لم يتمالك أن يقترب نصفه الأعلي من الطريق وهو يضحك ،
ثم وقف وفرد ذراعاه ،
: قائلاً  
طيب اضربيني ؟
أنا قدامك أهو ،
الذل بين ايديكي عزة ،
والضعف قدامك يغنيني عن أي قوة بين العالمين ،
اعملي فيا اللي انتي عايزاه . 
نظرت بلؤم وبضحكة لم تفارقها : 
هي فرصة مغرية تصدق ؟!
أنا فعلاً نفسي أضربك .
اعتدل في وقفته وكأنه يلملم كبرياء ستبعثره هي الآن ،
وحاول تمالك نفسه ثم أغمض عينيه وتنهد :
أنا مسلملك نفسي تماماً ،
براحتك !
فنظرت حولها وصرخت :
 يا مجنون ،
قدام الناس كده في الشارع عادي ؟
ففتح عينا وترك الآخري مغلقة :
تصدقي ؟
ده هيديله قيمة أكتر ،
آه آه قدام الناس !
نظرت حولها إلي تلك الفتاة الراحلة المتمسكة عينيها بجسدها التي تظن أنه ينتهك تحت سلطة الشهوة ،
وإلي الرجل الذي ينظر إلي حبيبها ويحسبه غبي لأنه استسلم لامرأة كيدها عظيم ،
وقفت ،
أمسكت بحقبيتها وضربته ضربه قوية تلتها ضربات آخريات وهي تردد :
إنت غبي ،
غبي فعلاً ،
علشان عارف إني بعشقك وبتمشي ،
غبي ،
منع تأوهاته من الانفضاح في العلن ،
وفتح عيناه فجأة ثم قال :
وحمار صح ؟
لم تتمالك نفسها من الضحك ،
فسقطت حقيبتها وهي ترجع رأسها إلي الوراء في استمتاع بالغ ،
 وقفزت في الهواء وهي تضحك قائلة :
غبي وحمار ،
آه غبي وحمار !
فنظر إلي الناس المتمعنيين في فصل شديد الحرج في قصة عشق خلابة ،
يشاركونهم سعادة تسقط المنطق والعقل صرعا ،
 : وصرخ 
أنا غبي وحمار يا ناس ،
ثم جذبها بعنف وخبأها بين ذراعيه وهو يحاول الوصول الي عينيها اللتين سريعاً ما فقدتا الشعور بالمكان والزمان وأغلقتا علي نهاية ستار اليوم ،
النهاية ،
حضنه ،
فضيق حضنه بشدة وقال بولع شديد :
غبي وحمار بس والله العظيم بعشقك ،
حاربت كي تخرج رأسها من حضنه الضيق ،
دون أن تفقد بريق اللحظة : 
هتسيبني تاني ؟
رد يا غبي ؟!
فضحك بشدة حتي كاد يفلت احكامه علي جسدها :
 . وقتها احضنيني بس وأكيد هرجع في كلامي
ابتسمت ثم اختبأت بداخله مجدداً ،
وهي تقول كنت أعلم أنني سأعود حتما إلي الوطن ،
وأن اللجوء في أحضان غيره ،
أمر عابر ،

شأن مؤقت .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق