الخميس، 21 يناير، 2016

أسوار الروح

يكاد يغشي علي حينما تواجهني حقيقة اعتدت الفرار منها والهرب ، ألا أنه في شريعة الدنيا "تزر وازرة وزر آخري" ، وها أنا ذا أعاقب مثلها علي ما تم قبل خليقتي ، فكيف لم يعد الرحم مبتدأ الحياة ، وكيف خلقني منتهية الصلاحية ؟! أحيانا ادع العنان لافتراضاتي الغير مروضة ، ماذا لو كنت شريكتها حقا في الجريمة ، أضعف الإيمان كان سيكون للمنطق حظ مما أنا فيه ، لعلهم اضطلعوا علي ما في سريرتي ، وبدا لهم أنني قد نويت ، ونحن ندعي أننا نتبع حكم الله ونشهد النية علي صاحبها ، وننصب أنفسنا آلهة ونصدر الاحكام علي ما في الصدور . أمي قضت التسع أشهر بين جنبات عنبر الجنائيات ، أتاها الطلق علي أرضية حمامه ، وولدت من بين ساقيها لأدفن حية ، قد عاد بنا الزمن إلي الجاهلية ، وكل نون نسوة تجزي بالتراب ، تفائل بي كل الآخريات ، وعلي رأسهن امرأة تجاهد لتنزع من بين أضلعها مشاعر مقتولة وملفاة علي قارعة الطريق ، بعدما يبس بينها وبين الحياة الثري . لا أعلم كيف أطاح الأمل بعقلانيتها إل هذا الحد الصارخ إن كان قد بقي لها عقلا أصلا في مكان فاسد ومفسد كهذا ، فلا حياة تخلق من رحم القيد ، ولا انا مسيحها ، أين الثري من الثريا ؟! وأنا طفلة كان الأمر رحيما بي ، يتناوب علي اضحاكي النسوة ، ويرأف به كل نازع حرية ، حتي السجان روح الله التي تسكنه _أحيانا_تتولي زمام الامور ، فلا استهانة بنفخة المولي ؛ فقليله ليس بقليل . حينما مرت السنون والسنون ، ونال مني الادراك ، أصبحت أبكيني صبحا ومساء ، أصلي 5 فروض ملبدة بالدموع ، واسأله النجاة من جحيم السماء علي الأرض ، غضب السماء أراه في عينيي كلما نظرت إلي مرآة صغيرة تخبئها إحدي السجينات المهتمات بماهية الاشارات التي ترسلها اجسادهم ووجوهم للعدم . أمي تقول أنني أعاني نوبات نسيان ، استيقظ _كثيرا_فاتفاجئ بأن بيتي هو سجن ، بأن موطني هو السجن ، حتي أنني أصرخ أين أنا بكل قوة حتي أري أمي فيجتاحني أمان مقترن بها ، لتجيبيني والمطر ينهمر من بين جفونها ، تظن انها ستهدأ من روعي حينما تخبرني انني لا أعلم عن الحياة سوي ما يسمح لي القاضي برؤيته ، أصبح ذلك يتكرر يوميا ، بعضهن نصحتها بأن "ترقيني" ، وبعضهن أرجعته لكوابيس ، وأنا فقط التي أيقنت أنني أصارع الموت ، فيغلبني قبحه ويتشبع بجمال طفلة بدلا من أن ترسم قوس قزح ترسم شارع لا يعرف أسوار . أكبر والشيب العارم في روحي يستنزف ما بقي مني ، إن كان قد بقي مني ، أري الحياة تنساب خارج مسكني من بين يداي ، الفرص تنفرط كحبات العقد ، هزيمة لا تعرف انتصارا .
تتحايل علي استيقاظي يوميا بقصة تغزلها علي الفراش كي أغفو ، تقتبسها من أرض الواقع وتزينها ببعض من الخيال ، خيالها غصب رغم أن خيالي هرم ، لماذا أسميتني "نون" ، سؤال تفتتح به حكاياتها المتصلة ، خزائن ذكرياتها الأليمة ، أنتي رمزية للنساء ، نون النسوة منها المبتدأ وإليها المنتهي وفيها السر ، أنا رمز لكل النساء القابعات ها هنا ، الساخطات والمسالمات ، العابسات والعبثيات وكارهات الحياة ، لاعنات الرجال وزاهدات الأنوثة ، أنا أملهن في فرصة لسلك درب بلا دم . تتبع هذه القصة بقصة آخري ، لماذا قتلت والدها ، ولكنها كانت تكذب ، كانت تعلم انني علي علم أنها تشفق علي صغر سني من وحشية البشر ، ولكنها لا تعلم ولن أعلمها أنني أعلم ما قد حدث ، فقد سمعت إحدي السجينات تروي أن أمي هي المرأة الوحيدة المظلومة حقا ، فالموت في الدفاع عن العرض شهادة . خفف الحكم عنها فلم تعدم ، أو هكذا توهموا ، الموت كان أهون من جلب الموت لحياتي ، أسوار الجسد المحيطة بي كنت لاهزمها لولا اسوار الروح التي جلبتها إلي ، قدمت الدنيا روحي قربانا للحرية المنزوعة .





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق